فخر الدين الرازي
477
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرحمن الرّحيم سورة المجادلة وهي عشرون وآيتان مدنية [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 1 ) روي أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة بن الصامت رآها زوجها وهي تصلي ، وكانت حسنة الجسم ، وكان بالرجل لمم ، فلما سلمت راودها ، فأبت ، فغضب ، وكان به خفة فظاهر منها ، فأتت رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم وقالت : إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيَّ ، فلما خلا سني وكثر ولدي جعلني كأمه ، وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إليّ جاعوا ، ثم هاهنا روايتان : يروي أنه عليه السلام قال لها : « ما عندي في أمرك شيء » وروي أنه عليه السلام قال لها : « حرمت عليه » فقالت : يا رسول اللَّه ما ذكر طلاقا ، وإنما هو أبو ولدي وأحب الناس إليّ ، فقال : « حرمت عليه » فقالت : أشكو إلى اللَّه فاقتي ووجدي ، وكلما قال رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم : « حرمت عليه » هتفت وشكت إلى اللَّه ، فبينما هي كذلك إذ تربد وجه رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام أرسل إلى زوجها ، وقال : « ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : الشيطان فهل من رخصة ؟ فقال : نعم ، وقرأ عليه الأربع آيات ، وقال له : هل تستطيع العتق ؟ فقال : لا واللَّه ، فقال : هل تستطيع الصوم ؟ فقال : لا واللّه لولا أني آكل في اليوم مرة أو مرتين لكلَّ بصري ولظننت أني أموت ، فقال له : هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ فقال : لا واللَّه يا رسول اللَّه إلا أن تعينني منك بصدقة ، فأعانه بخمسة عشر صاعا ، وأخرج أوس من عنده مثله فتصدق به على ستين مسكينا » واعلم أن في هذا الخبر مباحث : الأول : قال أبو سليمان الخطابي : ليس المراد من قوله في هذا الخبر : ( وكان به لمم ) ، الخبل والجنون إذ لو كان به ذلك ثم ظاهر في تلك الحالة لم يكن يلزمه شيء ، بل معنى اللمم هنا : الإلمام بالنساء ، وشدة الحرص ، والتوقان إليهن . البحث الثاني : أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية ، لأنه في التحريم أوكد ما يمكن ، وإن كان ذلك الحكم صار مقررا بالشرع كانت الآية ناسخة له ، وإلا لم يعد نسخا ، لأن النسخ إنما يدخل في الشرائع لا في عادة الجاهلية ، لكن الذي روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لها : « حرمت » أو قال : « ما أراك إلا قد حرمت » كالدلالة على أنه كان شرعا . وأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك .